عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث شفاف. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث شفاف. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات

السبت، 14 فبراير 2026

تفكيك جنبلاط - وثائق تكشف علاقاته بالمسؤولين الإسرائيليين

سلمان مصالحة 

تفكيك جنبلاط - وثائق تكشف علاقاته بالمسؤولين الإسرائيليين 

ولمّا قيل بأنّ الأقربين أولى بالمعروف، فقد وجدت أن لا مناص من البدء بذوي القربى.  فهل آن الأوان الآن لوضع النقاط على بعض الحروف المبهمات فيما يتعلّق بزعامة وليد جنبلاط.

 

مقدمة

لا يخفى على القارئ النبيه بأنّ الزعامات العربية، والوراثية منها على وجه التحديد، هي أحد الأسباب المركزية لفشل المجتمعات العربية في الانتقال من طور الذهنيّة البَرّيّة (بفتح الباء) المُغرقة في القدم إلى مرحلة يمكننا أن نطلق عليها طور الذهنيّة البِرّيّة (بكسر الباء) لمجتمع مُعاصر مُتقدِّم. 

ولمّا قيل بأنّ الأقربين أولى بالمعروف، فقد وجدت أن لا مناص من البدء بذوي القربى.  فهل آن الأوان الآن لوضع النقاط على بعض الحروف المبهمات فيما يتعلّق بزعامة وليد جنبلاط؟

لقد ورث وليد جنبلاط زعامة الحزب التقدّمي الاشتراكي بعد مقتل والده، وسيرًا على نهج العرف العربي التليد والبليد منذ القدم، فقد قام قبل سنوات بتوريث هذه الزعامة المزعومة لابنه. وهنا يطفو على السطح السؤال الذي لا بدّ من طرحه: ما هي هذه «الاشتراكية» وما هي هذه «التقدّمية» في هذا الاسم الفضفاض لحزب توريثي أصلًا؟

سنترك للقارئ النبيه أن يتفكّر في قرارة ذاته بهذه الحال العربية وما جلبته هذه الذهنية التوريثية، أكان هذا التوريث سياسيًّا أم دينيًّا، من كوارث على المجتمعات في مشارق العرب ومغاربهم.

إنّ ما يعنينا اليوم هو ما تتفتّق عنه قرائح هذه الزعامة بعد المجازر التي ارتكبتها في محافظة السويداء فصائل الدواعش وتفريعاتها على اختلاف مسمّياتها بزعامة الجولاني الذي وصل إلى سدّة الحكم في الشام بعد فرار الأسد. 

دمشق: لقاء جنبلاط - الجولاني

لقد سارع جنبلاط في نهاية ديسمبر 2024،  مرفوقًا بوفد من حزبه الوراثي، بالسفر إلى دمشق والالتقاء بالجولاني، سعيًا منه لفتح صفحة جديدة مع النظام السوري الجديد مدفوعًا ربّما بذاكرة اغتيال نظام الأسد الأب لوالده في سبعينات القرن المنصرم.  لقد رأى جنبلاط في سقوط النظام الأسدي فرصة سانحة لتعزيز دوره محلّيًّا وإقليميًّا فسارع إلى الاتصال بحاكم سورية الجديد وترتيب وفد للقاء الجولاني في دمشق. 

غير أنّ رياح الفصائل التكفيرية تجري بما لا تشتهيه سفن الباحثين عن تعزيز زعامات وراثية، وهي زعامات لا تختلف أصلًا عن الزعامة الأسدية الآفلة. إذ إنّ طبع هؤلاء التكفيريّين الذين أوصلوا الجولاني إلى سدّة الحكم لا يمكن أن يتبدّل بين ليلة وضحاه بمجرّد استبدال البزّات العسكرية ببدلات وربطات عنق من صناعات صينية أو غربية. 

وهكذا، لم تمض سوى أيام معدودة حتّى كشفت فصائل التكفير عن أنيابها متذرّعة بتسجيل مفبرك وارتكبت مجزرة بحقّ الدروز في جرمانا وأشرفية صحنايا  بضواحي دمشق. لم تكن هذه أوّل مجزرة ترتكبها هذه الفصائل بحقّ الدروز، فقد عانى دروز جبل السماق في محافظة إدلب بالشمال السوري من فصائل التكفير التي سيطرت على مناطقهم، فقد تعرّضوا هناك للاضطهاد الديني، فحرقت معابدهم وأجبروا على التسنّن تحت وطأة أنياب التكفيريين المُسنّنة. بل وفوق كلّ ذلك فقد ارتكبت الفصائل التكفيرية مجزرة  في بلدة قلب لوزة التي راح ضحيتها العشرات.

مجزرة السويداء

حريّ بنا هنا أن نُذكّر القرّاء العرب، والآخذين بالانقراض في العقود الأخيرة تحت سطوة الفضائيات وتسجيلات الهواتف الخلوية، بأنّ الغالبية العظمى من الدروز في محافظة السويداء كانوا قد امتنعوا عن المشاركة في حرب النظام الأسدي ضدّ السوريين المنتفضين عليه. لقد فضّل هؤلاء البقاء في محافظتهم وعدم المشاركة في سفك الدم السوري. بل وأكثر من ذلك فقد استقبلت المحافظة عشرات الآلاف من السوريين الهاربين من اضطهاد النظام الآفل وحمايتهم. وقد شهدت المحافظة في السنوات الأخيرة قبل سقوط النظام مظاهرات أسبوعية في ساحة الكرامة مطالبة بإسقاط النظام، وكان شعارهم الموروث والمرفوع والمسموع عاليًّا بحناجرهم: «الدين لله والوطن للجميع»، إضافة إلى «واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد». 

غير أنّ كلّ ذلك لم يشفع لأهل محافظة السويداء. وكما أسلفنا فإنّ طبع هؤلاء التكفيريين يغلّب التطبُّع بالبدلات، فسرعان ما عاد هؤلاء التكفيريون إلى طبعهم التكفيري الذي رضع وترعرع على فتاوى تنضح كراهية لكلّ من هو آخر دينيًّا وثقافيًّا، وشحنوا العشائر من كلّ حدب وصوب برفقة فصائلهم الأهلية والأجنبية وجاؤوا لإبادة الدروز في محافظة السويداء. ”جئناكم بالذبح” كان شعار هؤلاء في تسجيلاتهم المصوّرة التي انتشرت في كلّ مكان. 

لقد جاؤوا حقًّا بالذبح مشحونين بفتاوى ابن تيميّة من القرن الثالث عشر، والتي تصف الدروز بأنّهم: «أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب… تُسبَى نساؤهم،  وُتؤخذ أموالهم…  يُقتَلون أينما ثُقِفوا، ويُلعَنون كما وُصِفوا... ويجب قتل عُلمائهم وصُلحائهم». 

لقد كان حريًّا بجنبلاط الذي هرول إلى لقاء الجولاني في دمشق أن يسأل حاكم سورية الجديد عن رأيه وعن موقفه من هذه الفتوى التي يسير على هديها رهطه التكفيري. 

غير أنّ جنبلاط هذا الذي ينصبّ جلّ اهتمامه على تأبيد زعامة المختارة على دروز المشرق، كما يشي هو بين فترة وأخرى، وبدل أن أن يقف في وجه التكفيريين ويشحن هذه الزعامة بمواقف أخلاقية تُحمّل الجولاني وعصاباته مسؤولية المجازر التي ارتكبت بحق الدروز والمسيحيين في السويداء وبحقّ سائر المكونات السورية في الساحل وأماكن أخرى، فقد خرج بتصريحات تكيل اللوم على هبّة دروز إسرائيل دفاعًا عن السويداء وأهلها، حيث  قاموا بالضغط على الحكومة الإسرائيلية بالتدخّل العسكري لوقف هذه المجازر.  

لن ندخل الآن في تفوّهات جنبلاط في قضايا أخرى بخصوص دعوته لبناء الجوامع  بغرض الحصول على دعم من هنا وهناك لزعامته المزعومة، فهذا شأنه وشأن ربعه من المتأسلمين من زمرته الذين يقتاتون على الفتات الذي ينثره عليهم. يستطيع أن يبني جامعًا في المختارة، ويستطيع أن يركع فيه كما يشاء، فهذا شأنه وشأن ربعه. غير أنّ الدروز في هذا المشرق بحاجة إلى كليات وإلى جامعات ومراكز علمية وليس إلى جوامع وما شابهها من أماكن للعبادة. فما أكثر أماكن العبادة وما أقلّ بركتها في هذا المشرق المأزوم والمهزوم في آن. 

على هذه الخلفية من مواقف جنبلاط ضدّ تَدخُّل دروز إسرائيل دفاعًا عن السويداء وأهلها نجد لزامًا علينا أن نُذكّره، إن كان يرغب في تناسي التاريخ، بالدعم الذي قدّمه دروز إسرائيل له وللدروز في لبنان في الماضي غير البعيد. وإذا كان جنبلاط ينحي باللائمة على اتّصال دروز السويداء بدروز إسرائيل طلبًا للدعم في محنتهم مع العصابات التكفيرية، نجد لزامًا علينا أيضًا أن نُذكّره ونذكّر القارئ النبيه بما تكشفه لنا الوثائق الإسرائيلية من علاقات جنبلاط ذاته بالمؤسسة الرسمية الإسرائيلية وبرجالات الموساد الإسرائيلي. 

باريس - لقاء جنبلاط - لوبراني

بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان ووصوله إلى بيروت جرى لقاء بين أوري لوبراني ووليد جنبلاط في باريس، على إثره سُمح له بالعودة إلى لبنان. هذا ما تكشفه لنا وثيقة محفوظة بوزارة الخارجية الإسرائيلية: ‫”‬خلال لقاء جرى بين لوبراني وجنبلاط في باريس توصّل الطرفان إلى تفاهمات في موضوعين -   لن يعارض الدروز دخول الجيش اللبناني إلى منطقة الشوف، ويُسمح لجنبلاط بالعودة إلى بلدة عائلته - المختارة…”.  

لم تتوقف اللقاءات مع المسؤولين الإسرائيليين بعد ذلك، بل أخذت في التوسّع. ففي مايو  1983 نشرت صحيفة معاريف خبرًا يكشف عن طلب من جانب جنبلاط لعقد لقاء بينه وبين مناحم بيغن رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك. غير أنّ إسرائيل رفضت هذا الطلب، كما ذكرت الصحيفة: «رفضت إسرائيل طلبات الزعامة الدرزية في لبنان إجراء لقاء بين وليد جنبلاط ورئيس الحكومة مناحيم بيغن. زار وفد رفيع المستوى من المليشيا الدرزية التي يتزعّمها وليد جنبلاط إسرائيل مؤخرًا وفحص إمكانية عقد لقاء بين جنبلاط وبين رئيس الحكومة، وزير الدفاع ووزير الخارجية. لقد اجتمع أعضاء الوفد الدرزي وبينهم قادة كبار في المليشيا بموظّفين كبار في وزارة الخارجية ووزارة الدفاع وعبّروا عن رغبتهم بإنشاء علاقات ثابتة وإجراء محادثات مباشرة مع المستوى السياسي والأمني في إسرائيل.» (معاريف، 29.5.1983)



لقد حاولت تقصّي تفاصيل هذا الخبر المنشور في الصحيفة العبرية، فتتبّعت أخبار تلك الأيام في الأرشيف الإسرائيلي الذي يعجّ بالوثائق التي كُشف عنها النقاب. وهاكم بعض ما عثرت عليه من خبايا تلك الأيام.

القدس - لقاء شموئيليفتش سلوم

بالعودة إلى الأرشيف نعثر على وثيقة بتاريخ 2.3.1983، حرّرها ماتي شموئيليڤتش، مدير عام مكتب رئيس الحكومة، وهي موجّهة إلى رئيس الحكومة آنئد مناحم بيغن، ويلخّص فيها محادثته مع عاطف سلوم لدى اجتماعه به. يذكر شموئيليفتش في الوثيقة ما يلي: ” يُقدّم الدكتور سلوم نفسه بوصفه موفدًا من قِبَل التيارات الثلاثة في الطائفة الدرزية في لبنان: الهيئة الروحية برئاسة الشيخ أبو شقرا، أتباع أرسلان وأتباع وليد جنبلاط”، ويضيف أنّ عاطف سلوم كان قد التقى بجنبلاط عشية حضوره إلى القدس وذكر أنّ جنبلاط ”يرغب في الوصول إلى تفاهمات واتفاق مع إسرائيل.  ولأجل إجراء المحادثات، فهو على استعداد لإرسال نائبيه في قيادة الـ P.S.P (الحزب التقدمي الاشتراكي). أسماء ممثّليه هما: هشام ناصر الدين وتوفيق بركات. (الأول هو قائد الجناح العسكري للـ ح.ت.ا).”. ثمّ يورد مدير مكتب رئيس الحكومة في رسالته ما عرضه عليه الدكتور سلوم من مواقف الدروز في لبنان. 


فيما يلي بعض النقاط التي يكشفها شموئيليفتش في رسالته لرئيس الحكومة بيغن، فيذكر أنّ الدروز على استعدا لـ: 

* إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل.

* منع تسلّل وانتظام مخرّبين في مناطقهم والتعاون مع جيش الدفاع الإسرائيلي والأذرع الأمنية الإسرائيلية.

* دعم علاقات سلام مع إسرائيل. وبهذا السياق أكّد الدكتور سلوم أنّ جنبلاط قال إنه لا يستطيع الدعم في المرحلة الأولى علانية، لكنّه «لن يعارض» ولن يضع العراقيل. 

ثمّ يذكر شموئيليفتش مطالب الدروز من إسرائيل كما عرضها الدكتور سلوم. ومن بين هذه المطالب نذكر بعضًا منها هنا: 

* إخراج الكتائب من مناطق القرى الدرزية.

* تأمين سلامة الدروز إمّا من خلال نزع سلاح كلّ الطوائف (باستثناء الجيش اللبناني) وإمّا بواسطة تزويد أسلحة دفاعية للطائفة الدرزية.

وقد ذكر الدكتور سلوم أنّه بحالة عدم نزع سلاح الجيوش الخاصّة، أي المليشيات الحزبية، فإذا قمنا نحن بتزويد وحداتهم بالسلاح، فإنّه «بوسعنا أن نثق بهم بصورة لا تقلّ عن ثقتنا بالكتائب وحدّاد.»

ويختتم شموئيليفتش رسالته بانطباعاته عن الدكتور سلوم: «إنّه يثير انطباعًا بأنّه شخص جدّي وذكيّ. طبيب بمهنته. ليس عضوًا في حزب جنبلاط، غير أنّه مقرّب من العائلة. كان سكرتيرًا لوالده.». كما يقترح في نهاية الرسالة بإجراء محادثات مع ممثّلي جنبلاط في أقرب وقت. وأرسلت نسخ من الرسالة إلى كلّ من وزير الدفاع ووزير الخارجية.

القدس - لقاء شموئيليفتش - ناصر الدين

بعد مضي أسبوعين على اللقاء الأول، يكتب شموئيليفتش إلى رئيس الحكومة رسالة أخرى يذكر فيها أنّه جرى لقاء آخر بطلب من الدكتور سلوم: «عطفًا على محادثتي مع الدكتور عاطف سلوم بتاريخ 1.3.83، التقيت به ثانية، وفقًا لطلب منه، وقد رافقه هذه المرّة هشام ناصر الدين - ممثّل وليد جنبلاط.»

يذكر شموئيليفتش في الرسالة أنّه وبغية التأكد من أنّ الدكتور سلوم قد نقل فحوى الحديث السابق فقد كرّر على مسامعه محصّلة ما تمّ الحديث عنه، ويضيف: «لقد صادق ناصر الدين على أنّ الأمور حقًّا تمّ نقلها وفُهمت على هذا النحو. لقد عاد وأكّد على رغبتهم في إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل. واستعدادهم للتعاون مع أذرعنا الأمنية ضدّ المخرّبين، وللتعاون السياسي إلخ.»

أما بخصوص انطباعاته من هشام ناصر الدين فيكتب مدير مكتب رئيس الحكومة ما يلي: «لم أشعر أنّ لدى ناصر الدين (بخلاف سلوم) رغبة صادقة بالتصالح مع الكتائب. إنّه يُفرّق بين الكتائب وبين المسيحيين. مع المسيحيين يستطيعون العيش بسلام. إنّه لا يثق بالكتائب.»

وفيما يتعلّق بالتعاون السياسي ودعم الممثلين الدروز في الحكومة والبرلمان لإقامة علاقات سلام مع إسرائيل، «فلم يكن لديه إجابة مُرْضية... وعلى سؤالي: هل يستطيع جنبلاط أن يدعم علاقات سلام مع إسرائيل - كانت إجابته متلعثمة. فطلبت منه أن يأتي إليّ مع إجابة أكثر وضوحًا على هذا السؤال.»

أمّا طلباتهم الفورية منّا فتتلخّص بما يلي: أن نُخرج الكتائب من المناطق الدرزية، وأن نعيد إليهم السلاح الذي أُخذ من الدروز، كما طلب إجراء لقاء مع وزير الدفاع لكي يشرح له الوضع الأمني.
ثمّ يختم شموئيليفتش رسالته بما يلي: «الطائفة الدرزية بصورة عامة، وجنبلاط بصورة خاصة، في حالة من الإرباك، ولدينا إمكانية استغلال الوضع لصالحنا.»

بعد مرور عام بالضبط على تلك اللقاءات،  أي بتاريخ 14.3.1984، وحول مسألة الوضع على الحدود بين لبنان وإسرائيل، فها هو وليد جنبلاط، يُصرّح في مقابلة مع الصحيفة الإيطالية «ريبوبليكا» بما يلي: «يجب منح إسرائيل ضمانات جدية تضمن عدم استخدام جنوب لبنان بعد الآن قاعدة لأيّ قوة عسكرية، يمكن أن تُهدّد حدودها الشمالية.»

موسكو: لقاء كمحي - جنبلاط 

وثيقة أخرى في الأرشيف الإسرائيلي تكشف لنا ما دار من حديث بتاريخ 17.2.1990 بين ديفيد كمحي ووليد جنبلاط في بيت الضيافة التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو.

لقد جرت المحادثة وفقًا لطلب من جنبلاط بعد أن التقيا صدفة في المكان. ومن بين ما دوّنه كمحي عن هذا اللقاء مع جنبلاط تذكر الوثيقة ما يلي: 

مخاوف وليد جنبلاط:
أوّلًا: إنّه يخشى  أن يأتي إلى البلاد مليون مهاجر من الاتحاد السوفييتي، وأن يستوطنوا في المناطق [المحتلة]، وأن ينتقل الفلسطينيون إلى لبنان ويقيموا هناك دولة فلسطينية.

ثانيًا: في هذه الأيام، فهو ينظر بقلق شديد لتعزيز قوة الفلسطينيين في منطقة صيدا، ويرغب في أن يرى تعاملًا أكثر حزمًا من قبلنا تجاه هذا الخطر. إنه يعتقد أن عرفات يحاول إعادة الوضع إلى ما قبل حرب ”سلامة الجليل” وهو قلق جدًّا من ذلك. 

المشاكل الداخلية بلبنان:
لقد عبّر في اللقاء عن ‫قلقه من أنّنا «نساعد الجنرال عون الذي، بحسب رأيه، يساعد الفلسطينيين على العودة إلى لبنان. إنّه قلق بسبب ما يجري لدى الموارنة، إذ إنّهم، برأيه، سيتركون لبنان بأعداد كبيرة، وهو أمر سلبيّ جدًّا بنظره، إذ إنّ هذا الأمر سيُعزّز مكانة السُّنّة. لقد عبّر عن أمله في أن نقوم بتقديم العون إلى جعجع ضدّ عون.»

أمّا بخصوص وضع الدروز فقد أشار إلى أنّ الوضع ليس جيّدًا، ففي الماضي كانوا يحصلون على غالبية المساعدات من الاتحاد السوفييتي، والوضع الآن آخذ في التحوّل. ويضيف كمحي في ختام ما دوّنه: «لا شكّ لدى وليد في أنّهم سيحتاجون مستقبلًا إلى الاستعانة أكثر فأكثر بإسرائيل، وأنّه يتوجّب عليه التفكير من جديد في شبكة علاقاته في ضوء كلّ التغييرات في المنطقة... وأنّ الأمل الوحيد للبنان هو الحياد في المنطقة ولامركزية السلطة. لقد عبّر عن أمله في أن يكون باستطاعة إسرائيل إقناع أصدقائها في الولايات المتحدة وفرنسا على العمل بهذا الاتجاه.»

وخير ختام لهذا الكلام هو أن نقترح على جنبلاط وأمثاله من الزعامات العربية في هذا المشرق، وعلى اختلاف طوائفها ومشاربها السياسية، ولا نستثني من هذه الزعامات أحدًا، أن تتوقّف عن المزايدات على الآخرين، لأنّ حبل الكذب والتزوير قصير، والأرشيفات أمام أعيننا ونحن نجيد قراءتها. فلسان الحقيقة طويل وسيطال جميع هؤلاء بلسعات فاضحة لن تُبقي منهم ولن تَذَرَ من أثَر. 

ألا هل بلّغت.
والعقل وليّ التوفيق!

*

نشر أيضًا في: شفاف الشرق الأوسط

الأربعاء، 4 فبراير 2026

آذر نفيسي | عندما أفكر في إيران، أفكر في النور

 في لحظة ما من حديثها، توقفت “مهتاب” وقالت: “كما تعلمين، أُعدِمَت راضية”. ما زلت أتذكرها. حتى في السجن، حتى وهي تنتظر إعدامها، اختارت “راضية” الحياة. لقد تجاوزت حدود زنزانتها من خلال الأدب.

آذر نفيسي

عندما أفكر في إيران، أفكر في النور 

عندما سأل صديقٌ هنري جيمس كيف استطاع تحمّل ويلات الحرب العالمية الأولى، أجاب: “اشعر، اشعر، اشعر بكل ما تستطيع”. تحمل نصيحته هذه جوهر معنى البقاء إنسانًا. تسعى الأنظمة الشمولية إلى تقويض قدرتنا على الشعور، وتجريدنا من الإحساس، ومصادرة إنسانيتنا، كما يفعل الرقيب عندما يحجب مقاطع من الكتب.

عندما أفكر في إيران، أفكر في النور. أفكر في تلاعب الضوء على الأوراق، وعلى الماء، وعلى الجبال. وُلدتُ في طهران، وعندما كنتُ أنظر من نافذة غرفة معيشتي، كنتُ أرى جبل دماوند، أعلى قمة جبلية لدينا، مُغطى بهالة من الثلج. أتذكر ذلك. وأتذكر أمسياتنا الشعرية في “طهران. أتذكر الكاتب والمحرر “هوشنغ غولشيري” وهو يُعلّمنا شعراء إيران الكلاسيكيين خلال أمسياتنا الشعرية. أتذكر قراءة “فردوسي و”نظامي” في غرفة معيشتنا وغرف معيشة أصدقائي.

في ديسمبر، انتفض الإيرانيون احتجاجًا. لم تتحدث الجمهورية الإسلامية إلا بلغة واحدة: العنف. ومرة أخرى، استقبلت مشارح ومقابر إيران آباءً وأبناءً، أمهاتٍ وبنات. بالنسبة لي، كما هو الحال بالنسبة لملايين الإيرانيين، هذا الصراع ليس سياسيًا، بل وجوديًا. أول ما فعلته الجمهورية الإسلامية، كأي نظام شمولي، هو سلب حقنا في الحياة. فعلوا ذلك بقتل الناس حرفيًا. وفعلوا ذلك بمحاولة إعادة تشكيل المواطنين، وتحويلنا إلى مجرد أوهام في مخيلتهم، لخلق إيراني جديد.+

كنتُ أُدرّس في طهران أثناء ثورة عام 1979. لم أكن أعرف نفسي حينها.

جعلتني الجمهورية الإسلامية أفهم الكثير من الأشياء بسلبها مني. كانوا يصادرون تاريخي وهويتي كإنسانة. كانوا يحرموننا من التواصل مع العالم، ويجعلوننا نعتقد أن لا أحد يهتم لأمرنا. شعرتُ أن العزلة التي فرضوها علينا كانت فخًا لا سبيل لنا للنجاة منه إلا بالشعور، والعيش، والمقاومة.

عندما كنتُ أغادر طهران، تبعتني أمي في أرجاء الشقة. “أخبروهم”، ظلت تردد، “أخبروهم”. أخبروا العالم بما يحدث لنا. كان عليّ أن أكتب، كما قال بريمو ليفي، “لأعود إلى مجتمع البشرية”.

لم أستطع النوم في تلك الليلة. ظللت أفكر في ثلاثة أشخاص. الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها ردّ جميلهم هي أن أبقي ذكراهم حية من خلال قصصهم. لذا سأحدثكم عن الدكتورة “فرخرو بارسا”. كانت مديرة مدرستي الثانوية في طهران. كانت صارمة للغاية. كانت تقف عند باب مدرستنا الثانوية، تتفقد طول زيّنا المدرسي. كنا نكتب قصائد وقصصًا عنها. أصبحت، إلى جانب والدتي، واحدة من أول ست نساء يُنتخبن لعضوية البرلمان الإيراني عام 1964. تولت منصب وزيرة التربية والتعليم، وغيّرت تمثيل المرأة في الكتب المدرسية، وساهمت بشكل كبير في تطوير تعليم الفتيات والنساء في إيران.

جاءت الجمهورية الإسلامية لاعتقالها. واتهموها بجرائم تراوحت بين “نشر الفساد والدعارة” و”انتهاك الأخلاق الإسلامية”. أعلنت محكمة ثورية في طهران أنها “مفسدة في الأرض” وحكمت عليها بالإعدام في مايو/أيار 1980. تقول الرواية إنهم وضعوها في كيس لأنه لا يجوز لمس امرأة، وقتلوها بإطلاق النار على الكيس. ويقول البعض إنهم شنقوها أو رجموها. لقد كان وقتًا شعرت فيه بيأس شديد. يستشهد العديد من الإيرانيين بما يُعتقد أنها آخر رسالة للدكتورة بارسا من زنزانتها إلى أطفالها: “لن أنحني لمن يتوقعون مني أن أعرب عن ندمي على خمسين عامًا من جهودي من أجل المساواة بين الرجل والمرأة. لست مستعدة لارتداء الشادور والتراجع إلى الوراء في التاريخ”.
بقيت في إيران. وهذا يقودني إلى قصتي الثانية، وشخصي الثاني. كان طالبًا لديّ في جامعة العلامة الطباطبائي في طهران، حيث كنت أدرّس الأدب الإنجليزي خلال الحرب مع العراق. كان قد شارك في الحرب وكان ناشطًا جدًا في رابطة الطلاب المسلمين، التي كانت بمثابة أداة للتوافق الأيديولوجي وسيطرة الدولة على الجامعات. كان يملك القدرة على طردي من الجامعة. أو ما هو أسوأ!

في أحد الأيام، بينما كنتُ أُدرّس “هنري جيمس”، سمعنا ضجةً في الردهة الخارجية. اندفع طالبان إلى الداخل حاملين الخبر: شابٌ أحضر معه علبتي بنزين، وسكب البنزين على نفسه، وأضرم النار فيها. صرخ قائلًا: “لقد خانونا! لقد خانونا!”. سخر بعض طلابي أثناء نقل جثمانه، مما أحزنني كثيرًا. وبختهم. ردّ أحد الطلاب قائلًا: “أنتم لا تعرفون ما فعله!”.

أدركتُ حينها أن هناك نوعًا آخر من الموت. النظام يُشكّلنا على صورته، ويُقسّي قلوبنا. حاولتُ إيصال هذه الفكرة إلى طلابي من خلال تدريس الرواية. الرواية العظيمة متعددة الأصوات، وتتحدث باسم الكثيرين. الرواية تُهدد أكاذيب نظام شمولي كالجمهورية الإسلامية. الرواية تُنمّي الفضول والتعاطف.
 

قصتي الثالثة عن “راضية”. لا أتذكر منها سوى اسمها الأول. في عام 1979، كنتُ أُدرّس الأدب الأمريكي المعاصر في كلية صغيرة للبنات في طهران. كانت راضية إحدى طالباتي. 

كانت مسلمة ملتزمة. كانت والدتها عاملة نظافة. توفي والدها. كانت فتاة نحيلة صغيرة، يغطي وجهها حجابها. كانت جادة. ما زلت أتذكر ملامح وجهها. كانت تمشي معي إلى بوابات الجامعة، ونتحدث عن “هنري جيمس” و”جين أوستن”. لقد وقعت في غرام “هنري جيمس”. أحبت النساء المستقلات في قصصه. كانت تقول إن هؤلاء النساء ضحّين بسعادتهنّ، لكنهن” فعلنَ الصواب.

كانت “راضية” فضولية. الفضول، الرغبة في معرفة الآخر، هو “التمرد في أنقى صوره”، كما قال “فلاديمير نابوكوف”. أنت لا تقبل بالواقع فحسب، بل تسعى إلى ما يمكن أن يكون أو ما ينبغي أن يكون. بعد ذلك الفصل الدراسي، انتقلت إلى جامعة طهران. رأيت “راضية” في الشارع. أشارت لي ألا أتحدث معها. كان ذلك في العام التالي للثورة، وقد بدأ القمع. بعد سنوات، جاءت “مهتاب”، وهي طالبة سابقة أخرى لي، لزيارتي في جامعة العلامة الطباطبائي، حيث كنت أدرّس آنذاك. كانت قد سُجنت، لكن أُفرج عنها لحسن سلوكها. التقت بـ”راضية” في السجن.

نسجت “راضية” و”مهتاب” علاقة صداقة متينة في السجن بفضل حبهّما للأدب. كانت “راضية” تتحدث عن “هنري جيمس”، و”مهتاب” تتحدث عن “إف. سكوت فيتزجيرالد”. في لحظة ما من حديثها، توقفت “مهتاب” وقالت: “كما تعلمين، أُعدِمَت راضية”. ما زلت أتذكرها. حتى في السجن، حتى وهي تنتظر إعدامها، اختارت “راضية” الحياة. لقد تجاوزت حدود زنزانتها من خلال الأدب. علاقتها بروايات وقصص “هنري جيمس” تخطت الموت وأعادت تأكيد قيمة الحياة.

عندما كنت أعيش في إيران، كان والدي يخبرني أن هذا البلد عريق جدًا، وقد غُزيت مرات عديدة. كان يقول إن ما يمنحنا هويتنا واستمراريتنا هو شعرنا الذي يمتد لمئات السنين إلى فردوسي، وحافظ، وجامي، وسعدي. عندما وصل هذا النظام إلى السلطة، لم يكتفِ باعتقال وقتل الشعراء والكتاب، بل حاول طمس ذاكرتنا الثقافية. حاولوا تدمير تمثال فردوسي، شاعرنا الملحمي، وتغيير اسم الشارع تكريماً لعمر الخيام، شاعرنا وعالم الفلك والفيلسوف. لكن النساء الإيرانيات وقفن أمام لافتة الشارع ورفضن تغييرها. كان ذلك انتصاراً صغيراً وسط هزائم لا تُحصى. سيصف النظام تقاليدنا الثقافية بالوثنية، لكن الإيرانيين ما زالوا يزورون أضرحة شعرائنا.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الاتحاد السوفييتي للعالم الإسلامي – نظام ديني حديث ذو طموحات إمبريالية – وهو نظام قد فشل وسقط. 

عندما أنظر إلى جيل الشباب في إيران، أرى بصيص أمل. فالاحتجاجات جديدة ومتجذرة في تاريخنا في آن واحد. لطالما ناضلت النساء من أجل الحريات، وحققن تقدماً رغم القمع. ما يمنحني الأمل هو رؤية النساء والرجال، التجار والمتقاعدين، جميع فئات المجتمع الإيراني، يتّحدون في الاحتجاجات الأخيرة.

لقد تذكرت “فاتسلاف هافيل”، الذي كتب: “الأمل ليس هو التفاؤل بالتأكيد. إنه ليس قناعة بأن الأمور ستسير على ما يرام، بل هو يقين بأن الأمور منطقية، بغض النظر عن النتيجة”. يُظهر لنا المتظاهرون في إيران أن الحرية معاناة، وأن ثمنها قد يكون الحياة، كما رواه بشارت پير.

نقلًا عن “شفاف الشرق الأوسط
 

الاثنين، 6 أكتوبر 2025

مجازر السويداء كشفت جنبلاط على حقيقته

 


لو كان الأمر مضحكًا لضحكنا، غير أنّه قد آن الأوان لنضع النقاط على الحروف المبهمات، وذلك لكي تتضّح الصورة لمن يبحث عن حقائق يحاول البعض إخفاءها عن أعين العامّة.

الاثنين، 28 يوليو 2025

النشاط الصهيوني في الشام

وثيقة سرية من الأرشيف الصهيوني

 

(في الصورة: إلياهو ساسون والجنرال يغائيل يادين)


سلمان مصالحة | 

النشاط الصهيوني في الشام 

ما خفي أعظم

ستواصل هذه الجهة الكشف عن خفايا علاقات الزعامات والنخب العربية بالحركة الصهيونية. ربّما يكون ما يُكشف في هذا الأوان من اتصالات بين قيادات وزعامات عربية وإسرائيل هو غيض مكشوف من غيض مستور عن أعين الجمهور العربي. 

ربّما يكون ما خفي من وراء الكواليس في هذا الأوان أعظم بكثير مما يطفو على السطح. وقد يمرّ قرن آخر من الزمان على توافقات سرية بعيدة عن أنظار عامّة الناس، وقد تنكشف على أعين أجيال بعيدة في قادم الأيام. 

لهذا وجدنا الآن وفي هذا الأوان من المفيد أن نضع هنا ترجمة عربية لوثيقة سرية هي بمثابة تقرير قدمه إلياهو ساسون رئيس القسم العربي في الوكالة اليهودية إلى بن-غوريون  في العام 1935 حول الوضع في الشام وآراء بعض النخب العربية في موضوع الصهيونية وهجرة اليهود إلى فلسطين واقتناء الأراضي.

والعقل ولي التوفيق.



أخبار المكتب العربي

سرّي

كلام مدوّن من فم إبراهيم درة، من رؤساء الطائفة اليهودية في دمشق:

تَغيُّر للأفضل طرأ على تعامل عرب سوريا مع الصهيونية. فأولئك الذين اعتقدوا قبل عدة سنوات أنّ الصهيونية هي حركة تؤدّي إلى انهيار النظام الاجتماعي وحرّضوا الشعب على محاربتها، غيّروا رأيهم ويبذلون اليوم جهدًا لإدخالها إلى بلادهم. من بين هؤلاء ثمّة أعضاء ينتمون أيضًا إلى الكتلة الوطنية: محمد النحاس، جميل مردم، فارس الخوري ورياض الصلح. لقد تحدّثت أكثر من مرّة مع هؤلاء عن البركة التي جلبتها الصهيونية إلى أرض إسرائيل [فلسطين]، وقد اعترفوا بذلك. 

لقد عبّروا عن استهجانهم من عدم قيام زعماء الصهيونية بإجراء اتصالات معهم. ففي الماضي حاول الصهيونيون دائمًا إجراء اتصالات مع العرب والتوصل إلى تفاهمات معهم. رئيس حكومة دمشق الحالي، الشيخ تاج [الدين] الحسني، والذي سبقه، حقي العظم، ينظران إلى الصهيونية نظرة حسنة. فخلال إحدى اللقاءات التي جمعتني مع الشيخ تاج [الدين] قال لي: «أنا أحبّ الصهيونية وعلى استعداد لإدخالها إلى سوريا. لن تعارض حكومتي بيع الأراضي، لكن يجدر بالشركات الصهيونية ألا تفعل أيّ شيء من وراء ظهر الحكومة والمسؤولين». 

يجب عدم أخذ الانتقادات الصحفية بجدية. هذه الصحافة مستعدّة أن تبيع نفسها لقاء المال. فمُحرّر ”الأيّام“ الذي يهاجم الصهيونية بشدّة، قد طلب منّي أن أوصي به لدى الوكالة اليهودية. ”لسان الأحرار“، الأسبوعية الدمشقية، على استعداد للانتقال إلى أرض إسرائيل [فلسطين] وإصدار صحيفة يومية تدعم الصهيونية. التجّار، الفلاحون وأصحاب الأراضي يرتادون حوانيت اليهود ويسألون: متى سيأتي الصهيونيون؟ إنّهم غاضبون على ترك اليهود لسوريا خشية من تأثير ذلك سلبيًّا على الصهيونيين، وتوقّف هجرتهم إلى بلدهم.


 لم يُبدِ أعضاء الكتلة الوطنية، الذين زاروا بكركي مؤخرًا، أيّ معارضة لكلام البطريرك الذي يدعو فيه اليهود القدوم إلى لبنان. يُقال إنّهم تحدّثوا معه حول شرط دخول الصهيونيين، وحول ماهية الأراضي التي يمكن أن تُباع لهم.  

لقد فشلت منشأة البطيحة. فمن بين 60 ألف سهم بيع 5000 فقط. غالبية الذين اقتنوا الأسهم هم أصحاب ديون لدى عائلة اليوسف (مالكة أراضي البطيحة) وحصلوا على أسهم بدل أموالهم. مديروا المنشأة يُجرون مفاوضات مع الأمير فاعور الذي وعد بأن يقتني كلّ الأسهم إذا نجح في أن يبيع أراضيه في الحولة لليهود، غير أنّه يشترط مُسبقًا ألاّ تثير الصحافة السورية ضجّة ضدّه.

برأيي - أنهى إبراهيم درة أقواله - هذا الوقت هو الأكثر تهيّؤًا من أي وقت آخر للقيام بنشاط في سوريا. 


                    إ. س.

26.3.1935 


 
نشر أيضًا في: شفاف الشرق الأوسط
 

الأربعاء، 23 يوليو 2025

الشعرة التي انقطعت في السويداء

 




 لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم مرّ الكرام دون حساب أو عقاب. لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم وكأنّ شيئًا لم يكن. 

سلمان مصالحة

الشعرة التي انقطعت في السويداء


بادئ ذي بدء: 
من الصعب الكلام بتؤدة ورويّة حينما يرى المرء المشاهد التي تنهال عليه من الشاشات الكبرى للفضائيات، أو الشاشات الصغرى للخلويّات. ومن الصعب إن لم يكن من المُحال، ضبط النّفس النّازفة ألمًا على ضحايا مجزرة السويداء، وغضبًا على حال أصناف هؤلاء ”البشر“ من هذه الأمّة الذين يعلنون النفير العام ويلمّون شُذّاذًا من كلّ حدب وصوب، ليس لنصرة أبناء جلدتهم في غزّة على سبيل المثال، والذين تتزيّى بها شاشاتهم وقنواتهم منذ عامين. بل فجأة، وعلى حين غرّة، هبّوا يلتمّون يجمعون عتادًا لغزو السويداء وجبل العرب، يهلّلون ويكبّرون قتلًا وسبيًا وحرقًا حيثما حلّوا، ويعيثون في الأرض العربيّة فسادًا. 

إنّ دماء الأبرياء التي سُفكت في السويداء، لم تكن على طريق القدس كما قيل لهم وكما شهد شاهد من شُذّاذهم المأسورين. إنّ دماء الأبرياء في السويداء هي جزء من المخطّط الداعشي الذي جاء به هذا الجولاني منذ أن كان في عداد سجنائهم بأيدي الأميركيين في العراق.  لقد كان هذا الداعشي الأفّاق الذي عاد إلى سوريا قد وضع خطّة مكتوبة لهذا الغرض، وقد كان أرسل لزعيم داعش البغدادي أنّه سيقوم بتهجير كلّ الأقليّات من سورية لإنشاء دولة خلافة إسلامية صرفة. إنّ “الأقليّات” في عرف هذا الداعشي هي كلّ من لا ينمو مثل فسيلته وكلّ من لا ينتمي إلى فصيلته. 

إنّ الجرائم التي ارتكبتها عصابات الجولاني بدءًا بالساحل السوري مع الطائفة العلوية، مرورًا بجرمانا والأشرفية وصحنايا، وبكنيسة مار إلياس في دمشق، وانتهاء بمحافظة السويداء لم تأت من فراغ، بل نهلت من هذا الموروث الذي ينضح كراهية وعنفًا. 

المنهل العفن:
نحن نعرف حقّ المعرفة ما هو ذلك المنهل العفن والنتن الذي ينهل منه هذا الجولاني وزمرته التكفيرية. نحن نعلم من هم هؤلاء الكفّار في عرف هذه الأيديولوجية الإرهابية: ”الكفار على ثلاثة أضرب: أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى... ومن له شبهة كتاب فهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب... ومن لا كتاب له ولا شبهة كتاب وهم من عدا هؤلاء... من عباد الأصنام والأوثان والكواكب وغيرهم...“، (مصدر: المبسوط للشيخ الطوسي) أو ”كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة“. (مصدر: تفسير القرطبي). وبكلمات أخرى، فالكفّار هم كافّة بني البشر الذين لا يستسلمون لهذه الأيديولوجية العنفيّة.

كما إنّنا نعرف حقّ المعرفة فتاوى سلف الجولاني السالح كراهية وعنفًا تجاه سائر أبناء البشر الذين لا يسلكون مسلكه الوَعِر وفكره القَذِر. هاكم ما يُفتي به هذا الذي يطلقون عليه شيخ الإسلام، ابن تيميّة عن الدروز: ”وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب. وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله... كفر هؤلاء ممّا لا يختلف فيه المسلمون، بل من شكّ في كفرهم فهو كافر مثلهم. لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين. بل هم الكفرة الضالّون“. ليس هذا فحسب بل يُضيف نبذًا من ذهنيّته حول كيفية التعامل معهم: ”فلا يُباح أكل طعامهم، وتُسبَى نساؤهم، وُتؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مُرتَدّين لا تُقبل توبتهم، بل يُقتَلون أينما ثُقِفوا، ويُلعَنون كما وُصِفوا... ويجب قتل عُلمائهم وصُلحائهم، لئلا يُضلّوا غيرهم. وُيحرم النوم معهم في بيوتهم، ورفقتهم، والمشي معهم، وتشييع جنائزهم إذا علم موتها. ويُحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحُدود عليهم بأي شيء يراه المُقيمُ المُقامَ عليه“.(مصدر: الشبكة الإسلامية، مجموع فتاوى ابن تيمية؛ انظر أيضًا في: إحسان إلهي ظهير، كتاب الشيعة والتشيع، فرق وتاريخ)

هذا هو بالضبط 
موروث الجولاني وعصابته، وهذا هو غذاؤه ”الروحي“. لقد سمعنا هؤلاء الغزاة الذين جاؤوا إلى السويداء ينضحون كراهية مقتبسين من كلام ابن تيمية هذا.  فهل يُرجى ممّن كان هذا نبراسه، ومن كان هذا هو أصله وفصله وأساسه، أن يصدر منه غير الشرّ المُطلق؟ 

بين الخير المطلق والشرّ المطلق:
نكتفي بإيراد مثال واحد على الفرق الجوهري بين الخير المطلق الذي تمثّله السويداء وأهلها وبين الشرّ المطلق الذي يمثّله الجولاني وعصاباته. وهذا المثال يتعلّق بتلك المجزرة التي ارتُكبت بعائلة القسّ خالد مزهر المكونة من عشرين شخصًا، والقسّ خالد مزهر هو راعي كنيسة ”الراعي الصالح“ الإنجيلية في السويداء. والملفت في الأمر أنّ هذا القسّ هو من أصول درزية في المدينة،كان قد اعتنق المسيحية قبل سنوات وكان معروفًا بعلاقاته مع كافّة المكوّنات الدينية وعاش بطمأنينة مع أهله، أكانوا مسيحيين أم دروزًا. غير أنّ عصابات الجولاني التكفيرية ارتأت أن تقضي على هذا الخير المُطلق من التسامح الذي يمثّله أهل السويداء بواسطة الشرّ المُطلق الذي تحمله في جعبتها الأيديولوجية التكفيرية الغازية. 

لقد استباحت عصابات الجولاني السويداء وقراها ونهبت المتاجر والبيوت وأضرمت نيران حقدها في البشر والحجر. وخطّت على الجدران شعارات ”أحفاد بني أمية“، بينما يحقّ فيهم القول إنّهم جراء ومعاويات يجبرون أبناء البشر على العواء الذي هو سمة فصيلتهم الدائدة والبائدة. وها هي أحقاد بني أمية تكشف عن جهلها حتى باللغة العربية فتصبّ جام غضبها على لافتة تُعلنُ السويداء سنة 2008 خالية من الأمّيّة والجهل، ظنًّا أنها تتعلق ببني أُميّة. يبدو أنّ السويداء حقًّا خلت من الجهل لخلوّها من أمثال هؤلاء الجهلة الذين يعيثون في الأرض فسادًا. 

لا تعنينا في هذه اللحظة الدامية كلّ مخطّطات القوى الإقليمية والكبرى بشأن هذا البيدق الداعشي الذي حرّكته هذه القوى ووضعته في الشام، حيث يعلم الجميع أنّه جاء مدعومًا من المخابرات الأميركية وبواسطة عملائها من إخوان إردوغان الأتراك والقطريين وآخرين من إرهابيي الدواعش، وذلك لأغراض في أنفس اليعاقيب. إنّ ما يعنينا الآن وفي هذا الأوان هو دماء الأبرياء الطاهرة التي سفكتها ولا زالت تسفكها العصابات التكفيرية. 

وختامًا لهذا الكلام،
لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم مرّ الكرام دون حساب أو عقاب. لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم وكأنّ شيئًا لم يكن. 

يجدر بنا وضع النقاط على الحروف المبهمات لكي لا يساء فهم خطورة ما جرى وخطورة ما هو راهن وما هو قادم. إنّ كلّ شعرة من شوارب شيوخ أتقياء في جبل الدروز تمّ اقتطاعها بأيدي عصابات الجولاني ومن لفّ لفّة، وبخلاف ”شعرة معاوية“ التي لم يقطعها، فهذه هي شعرة طاهرة وقد انقطعت مع زمرة هؤلاء الأبالسة من جند الطغيان، هي شعرة قد انقطعت مع هذا الصنف من هذه الأمّة التي يمثّلها هذا المتعطّش لدماء الأبرياء من كافّة الأقليّات والمشارب السورية. ألا هل بَلّغت. 
والعقل وليّ التوفيق.

***

تنويه لا بد منه: 

في العقود الأخيرة كنت تطرّقت كثيرًا إلى النّظام البعثي البائد، وإلى جرائمه بحق الشعب السوري أوّلًا، وإلى دجل هذا النظام بشأن المقاومة والممانعة وما إلى ذلك من أصناف البلاغة العربية التليدة والبليدة. 
 
فيما يلي روابط لمقالات نشرتها حول الموضوع السوري:

إيلاف - فبراير 2005: أمة عربية بائدة ذات رسالة دائدة 
إيلاف - يونيو 2007: ثلاثة مشاهد سوريا-لية 
يناير 2008: دفاعًا عن سوريا  
إيلاف - أغسطس 2008: نكات بعثية غير مضحكة 
إيلاف - مارس 2011: ثورة الحرية السورية 
إيلاف - أبريل 2011: وصمة على جبين طاغية 
إيلاف - أبريل 2011: الخروج من المأزق السوري  
هآرتس - أبريل 2011: الأسد ملك إسرائيل 
إيلاف - ديسمبر 2011: رسالة إلى الرئيس الأسد 
إيلاف - يناير 2012: القصيدة الشامية
إيلاف - يوليو 2012: سورية غير مصر 
إيلاف - أغسطس 2012: جرائم النظام والمعارضة 
إيلاف - سبتمبر 2012: في مديح سايكس-بيكو 
إيلاف - فبراير 2013: كلب العروبة النابح 
صحيفة “الحياة” - سبتمبر 2014: فضائح كتب التدريس السورية  
صحيفة “الحياة” - مايو 2015: علينا أن نتصارح كي نتصالح  
صحيفة “الحياة” - أكتوبر 2015: ستاتيكو أم سايكس بيكو؟ 
صحيفة “الحياة” - فبراير 2016: ملاحظات عابرة حول المأساة السورية  
صحيفة “الحياة” - مارس 2016: سورية في ذمة الله 
صحيفة “الحياة” - أبريل 2017: معنى أن تكون عربيًّا الآن  
صحيفة “الحياة” - فبراير 2018: الحرب التي على الأبواب 
صحيفة “الحياة” - مارس 2018: سورية كحقل تجارب للأسلحة الروسية 
صحيفة “الحياة” - مارس 2018: دروس من الحرب السورية -  
صحيفة “الحياة” - أبريل 2018: مجزرة القومية العربية  
صحيفة “الحياة” - يوليو 2018: عن الأسد وحرق البلد  

***

نشرت أيضًا في شفاف الشرق الأوسط

 

الأربعاء، 2 يوليو 2025

عزمي بشارة والملحق العسكري السوري في برلين


 وثيقة - 1985 

عزمي بشارة والملحق العسكري السوري في برلين


ماذا وراء الأكمة؟

نقدّم لمتابعي هذا الموقع هذه الوثيقة، وهي تقرير أعدّه الملحق العسكري في السفارة السورية في برلين في يوليو 1985 وأرسله إلى رئيس شعبة المخابرات العسكرية، معبّرًا عن شكوكه بالأمر وفقًا لمعلومات المخابرات الألمانية التي استفسر منها بخصوص القضية، وذيّلها برأيه بخصوص إمكانية التعامل مع الشخص المذكور بها.

فيما يلي نصّ الوثيقة:

 

سفارة الجمهورية العربية السورية

برلين


تقرير خاص بالسيد اللواء رئيس شعبة المخابرات العسكرية

”زارني مؤخرًا طالب دكتوراة فلسطيني في جامعة برلين يحمل الجنسية الإسرائيلية (من عرب 1948) يدعى /عزمي بشارة/ وطلب مساعدتي لزيارة القطر بوثيقة سفر سورية خاصة كون جوازه إسرائيلي. وقد استغربت الأمر كونه لجأ إلي مباشرة وليس إلى القسم القنصلي. فأكّد أنه تقصّد ذلك لأنّه يعتقد أنّ الملحق العسكري في أي سفارة سورية (هو الملحق الأمني وصاحب القرار الأول والأخير في ذلك). وبعد أن أفهمته أنّ الأمر ليس كما يظنّ، وأنّ القنصل هو صاحب القرار بعد موافقة الجهة الأمنية صاحبة العلاقة بالنسبة لمن هم في وضعه، قال إنّه سيستغلّ الفرصة ليفهم منّي باعتباري عسكري ليستفسر عن بعض القضايا التي تهمّه كفلسطيني. وحاول أن يفهم ما إذا كانت دول أوروبا الشرقية، تعطينا ما نحتاجه من السلاح، وحقيقة الدعم العسكري الذي قدّمته لنا جمهورية ألمانيا الديمقراطية خلال حرب تشرين. وقد تبيّم أنّه يملك معلومات مهمّة عن الموضوع رغم أنّه غير معروف، ورغم أنّ مجال دراسته يتعلّق بالفلسفة وليس بالقضايا السياسية أو العسكرية، كما طرح أسئلة عن دعم القطر للمقاومة اللبنانية، وما إذا كنّا نقدّم الدعم لحزب الله كما نقدّمه للمقاومة الوطنية.

أسئلته أثارت عندي الكثير من الشكوك فصرفته بطريقة لبقة بعد أن تذرّعت بمشاغلي، ووعدته بلقاء مطوّل في أقرب وقت. وفي اليوم نفسه طلبت موعدًا مع الجنرال (غيرهارد نيبر)، نائب وزير أمن الدولة الذي تدخُل الشؤون الفلسطينية في مجتل مسؤولياته. وخلال لقائنا تحدّثت معه عن الأمر وعن احتمال أن يكون جهاز /الموساد/ الإسرائيلي نجح في تجنيد طلاب من (فلسطين 1948). وقد أبلغني أنّ الشخص المذكور (وُضع تحت المراقبة مؤخّرًا بعد أن لوحظ تردّده مرارًا إلى مدينة درسدن والبحث عن الشقّة التي ينزل فيها الدكتور جورج حبش حين يقوم بزيارة خاصة إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وبعد أن لاحظت الجهات الأمنيه أن يقوم بجمع معلومات لا تدخل في مجال دراسته وتُعتبر معلومات سرية لا يجوز الاطلاع عليها).

رأي الملحق العسكري

نعتقد في ضوء المعلومات المذكورة أعلاه أنّه من المفيد تعميق الصلة معه. ولكن بحذر وبالتنسيق مع الجهات الألمانية المعنية، لمعرفة الدوافع الحقيقية لسلوكه، وإمكانية الاستفادة منه في المستقبل، خصوصًا وأنّه على علاقة جيّدة مع أوساط حزب العمل الإسرائيلي وبعض قياداته كما قال.

ولكم الأمر سيّدي اللواء.

برلين في 14/7/1985 

   المقدم الركن فاروق جاويش
       الملحق العسكري



شفاف الشرق الأوسط

السبت، 20 مايو 2023

رسالة في فضل العقل على النقل

 

سلمان مصالحة ||

رسالة في فضل العقل على النقل


الكتابة، كلّ كتابة، ومنذ قديم الزّمان
هي من عمل هذا الحيوان النّاطق، بل هي مزية، من بين مزايا أخرى، تفرق الإنسان عن سائر المخلوقات. إنّها فعل هو نتاج تجريدي من مهمّات العقل، أمبدعًا كان العقلُ أم ناقلاً لما أبدع آخرون.

قبل وجود الكتاب درج الإنسان على التّدوين بالنّقش في الحجر أو النّقش في الألواح الطّينيّة، عبورًا بالكتابة على العظم والجلود وما إلى ذلك من وسائل تحمل نتاج العقل والنّقل لتبقى على مرّ الزّمن، لتكون ذاكرة وزادًا للأجيال القادمة.  هذه هي بالذّات وظيفة الكتاب منذ القدم وهذه وظيفته في يومنا هذا وستظلّ كذلك في المستقبل المنظور على ما يبدو، رغم الطّفرة الإلكترونيّة المعاصرة.  

ولمّا كان الكتاب وما يحويه من مضامين هو من عمل الإنسان العاقل والنّاقل فإنّه يحتمل الخطأ والصّواب، ولهذا أيضًا فإنّه يحتمل النّقد والنّقض. لا فرق في هذه القضيّة إن كان الكتاب حاملاً لمضامين العلوم الطّبيعيّة أو حاملاً لمضامين العقائد الدّينيّة على اختلاف مشاربها ولأيّ من الدّيانات والعقائد البشريّة كان انتماؤها.

إنّ العقائد البشريّة تعكس كلّ تلك المنظومات المعرفيّة الّتي يتوصّل إليها العقل البشري في مراحل تدرّجه على مرّ تاريخه. وفي الحقيقة فإنّ العقائد الدّينيّة لدى بني البشر تعكس في الأساس منظومات المجاهل وليس منظومات المعارف. إنّ بني البشر على العموم يحيلون الجهل بقوانين الطّبيعة والجهل بالظّواهر الطّبيعيّة إلى قوى أخرى خارقة تقع ما وراء حدود علمهم في مراحل تطوّرهم عبر التّاريخ.  هكذا ينتقل الإنسان من العادي المادّي ومحاولة معرفة علاقاته السّببيّة إلى مرحلة الإيمان. أي إنّ الجهل، على العموم، هو العنصر الجوهري الّذي يتأسّس عليه الإيمان على مرّ الزّمان.

هكذا وُلدت الآلهة عبر التّاريخ 
فلقد خلقها الإنسان لكي ينيط بها كلّ ما لم يقدر عقله على سبره وعلى فهم علائقه. وهكذا على مرّ التاريخ جاءت آلهة البشر على شاكلتهم، تحبّ وتبغض وتتزاوج وتتحارب ثمّ تتصالح إلخ، وبمدى عمق وثراء معارفهم تكون معارف آلهتهم على شاكلتهم. لقد لخّص الفيلسوف الإغريقي اكسينوفان هذه المسألة بالقول: لو كانت الحيوانات، أهليّة كانت أم وحشيّة، تعرف فنّ الرسم، لكانت رسمت آلهتها على شاكلتها، ولكان الحصان، على سبيل المثال، قد رسم إلٰهه على شكل حصان.

وهكذا أيضًا، عندما تذكر التّوراة، في قصّة الخلق، أنّ حوّاء قد خُلقت من ضلع آدم، فلا يمكن النّظر إلى هذه الخرافة إلاّ من باب الأسطورة الّتي تحاول الذّهاب بعيدًا والنّظر في المجهول من أجل وضع تفسير مبسّط لبدء الحياة البشريّة على هذه الأرض.  ولمّا كان العقل البشري منذ القدم قاصرًا عن فهم هذه الظّاهرة الّتي تدبّ على الأرض فإنّ الإحالة إلى الأسطورة تصبح الطريق المثلى لفكّ مجاهل هذه القضايا الشّائكة. وهكذا تتحوّل الخرافة إلى قصّة أسطوريّة تتداخل في فعل الإيمان، لأنّ القداسة على العموم هي أداة تُستخدَم لحفظ الذّاكرة الحضاريّة من خلال العودة مرّة تلو أخرى إلى تكرار وترديد الأسطورة. وبوصفها كذلك فهي لا تحتضر ولا تفنى مهما تناقضت مع المُكتشفات العلميّة لأنّ وظيفتها لا تنتهي باندفاع العلوم قدمًا، لأنّها من طبيعة مختلفة أصلاً.

ومن هذا المنطلق ستحمل الذّاكرة الحضاريّة التّوحيديّة، يهوديّة عبورًا إلى الإسلاميّة، كلامَ الله لموسى عبر عوسجة أو عليقة محترقة في الصّحراء. ومهما بدا الأمر مضحكًا في نظر الإنسان الّذي يعيش في هذا العصر غير أنّ هذه الخرافة تبقى حيّة وعالقة فاعلة في ذهنه لأنّها ترتبط بقضايا الإيمان والّتي لا مجال لوزنها بميزان العقل.

كذا هي الحال في ما يتعلّق بظواهر الطّبيعة
الّتي لم يسبر أغوارها العقل البشري في مراحل تطوّره البدائيّة. فكلّ ما يجهله بهذه الشؤون والقضايا ينسبه إلى الآلهة أو إلى عالم الغيب، عالم الخرافة. فلو نظرنا إلى ظاهرة غروب الشمس على سبيل المثال، فماذا نحن واجدون في الموروث العربي الإسلامي؟  من بين الأمور الّتي قد تثير الضّحك في عصرنا العلميّ هذا هو تلك الخرافات الّتي كان أسلافنا يؤمنون بها، وقد يكون من الصّعب على المؤمنين بالنّصوص المقدّسة التّخلّي عنها.  

مثال على ذلك ما ورد في القرآن بخصوص مغرب الشّمس.  فقد ذكر القرآن في سورة الكهف وفي سياق ذي القرنين: "حتّى إذا بلغَ مغربَ الشّمس وَجدَها تغربُ في عينٍ حمئة" (سورة الكهف: 86).

فلو ذهبنا إلى أحد أقدم التّفاسير القرآنيّة الّتي وصلتنا فماذا نجد في تفسير غروبها في ”عين حمئة؟ ها هو الصّحابي أبو ذر الغفاري يتطرّق إلى هذه المسألة: "قال أبو ذر الغفاري: غربت الشمس يومًا، فسألتُ النبيّ (صلعم)، أين تغرب الشمس؟ فقال النبي (صلعم): تغرب فى عين حمئة وطينة سوداء، ثم تخرّ ساجدةً تحت العرش فتستأذن، فيأذن لها..." (تفسير مقاتل بن سليمان، أنظر كذلك بخصوص ذات الرّواية باختلافات طفيفة في تفسير الطّبري، سنن أبي داود، تفسير القرطبي، تفسير البيضاوي، زاد المسير لابن الجوزي، الدّرّ المنثور للسّيوطي، وغيرها من المصادر).

فما هي، يا تُرى، هذه العين الحمئة؟
أوّلاً، لا يوجد إجماع على النّصّ القرآني بهذه الصّورة، وهذا ما يُخبرنا به الطّبري: "فاختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة {في عين حمئة}، بمعنى: أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة، وقرأته جماعة من قرّاء المدينة، وعامة قرّاء الكوفة {في عين حامية}، يعني أنها تغرب في عين ماء حارة." (نقلاً عن: تفسير الطّبري للآية).  فهذه الرّوايات والقراءات المختلفة هي خير شاهد على أنّ هذه النّصوص، ورغم قداستها، ليست ثابتة وإنّما هي من عمل البشر، من عمل ذاكرتهم الّتي لا يمكن أن تكون ذاكرة محكمة لا يعمل فيها تقادم العهود وتقادم الزّمان وتبدُّل المكان، وربّما الأهواء أيضًا، عمله.

الأمر الوحيد الّذي يُجمع عليه المؤمنون في هذا السّياق هو أنّ الشّمس تغيب. ولكن، كيف وأين تغيب هذه الشّمس فهذه القضايا مثار خلافات، إن لم نَقُل، مثار خرافات. فالبعض يقول إنّها تغيب في طينة سوداء والبعض يقول إنّها تغيب في عين ماء حارّة، وكما يذكر الطّبري: "واختلف أهل التّأويل في تأويلهم ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته".  ولهذا الغرض يستعينون بالأحاديث النّبويّة: "عن عبد الله، قال: نظر رسول الله (صلعم) إلى الشمس حين غابت، فقال: في نار اللّه الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يَزَعُها من أمر الله لأَحْرَقت ما على الأرض" (تفسير الطبري).

إنّ الطّبري لا يشكّك في المضمون المضحك للخرافة، بل يحاول التّوفيق بين القراءتين لا غير، فيقول: "والصوابُ من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، ولكل واحدة منهما وجهٌ صحيحٌ ومعنًى مفهومٌ، وكلا وجهيه غيرُ مُفسدٍٍ أحدُهما صاحبَه. وذلك أنّه جائزٌ أن تكون الشمس تغرب في عين حارة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ {في عين حامية}  بصفتها التي هي لها، وهي الحرارة. ويكون القارئ {في عين حمئة}  واصفَها بصفتها التي هي بها، وهي أنها ذات حمأة وطين" (تفسير الطبري).

ثمّ تسلك الخرافة طريقًا جديدة، إذ تذهب إلى أناس تلك النّواحي لتسرد علينا أحوال معيشتهم.  فها هي الخرافة تتعاظم: "وروى قتادة عن الحسن قال: وجدها تغرب في ماء يغلي كغليان القُدور، ووجد عندها قومًا لباسُهم جُلودُ السّباع، وليس لهم طعام إلاّ ما أحْرَقت الشّمسُ من الدّواب إذا غربت نحوها، وما لفظت العَيْنُ من الحيتان إذا وقعت فيها الشمس." (زاد المسير لابن الجوزي، وتفسير البيضاوي).

غير أنّ هنالك أيضًا من بين السلف
من قام بمحاولات جدّيّة لدحض هذا الغباء الصّحْراوي البدائيّ. فها هو الرّازي ينظر في هذه المسألة في مؤلّفه "مفاتيح الغيب".  لقد تطرّق الرّازي في البداية إلى اختلاف القراءات وحاول، مثلما فعل الطبري من قبله، التّقريب بينها: "واعلم أنّه لا تَنافيَ بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعًا" (الرّازي، مفاتيح الغيب).  لقد وفّق الرّازي بين الخلافات هذه، لأنّه رأى أنّ المشكلة لا تكمن في القراءة فحسب، بل هي في مضمون هذه المشاهدة أصلاً، وهي المشاهدة الّتي تسم اللّه بالغباء في نهاية المطاف.

ولذلك يستمرّ الرّازي في بحث المسألة، فيقول: "ثبت بالدّليل أنّ الأرض كرةٌ وأنّ السّماء محيطةٌ بها، ولا شكّ أنّ الشمس في الفلك...".  ولأنّ الأرض كرويّة، يضيف الرّازي مستعينًا بتفسير الجبائي: "إنّ راكب البحر يرى الشمس كأنّها تغيب في البحر إذا لم ير الشطّ وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر. هذا هو التّأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره... أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها، فالنّاظر إلى الشّمس يتخيّل كأنّها تغيب في تلك البحار".

غير أنّ الرّازي يشعر بأنّه قد وصل مبلغًا كبيرًا في نقد ونقض الرّوايات التّراثيّة حول نصّ مقدّس فيجنح إلى تخفيف الصّدمة المنوطة بذلك، ربّما، فيضيف: "ولا شك أن البحار الغربيّة قوية السّخونة فهي حامية وهي أيضًا حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء فقوله: {تغرب فى عين حمئة} إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض، قد أحاط به البحر وهو موضع شديد السخونة".

ثمّ ما يلبث الرّازي أن يعود إلى دحض كلّ تلك الخرافات من خلال تتبّع المشاهدات الفلكيّة في الأصقاع المختلفة من الأرض، فيقول: "وذلك لأنّا إذا رصدنا كسوفًا قمريًا، فإذا اعتبرناه، رأينا أنّ المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أوّل الليل ورأينا المشرقيين قالوا: حصل في أوّل النّهار، فعلمنا أنّ أوّل اللّيل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد، ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث، ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس".

ولأنّ الرّازي يأخذ بالعقل لا بالنّقل،
ولأنّه يأخذ بالمشاهدات العلميّة لا بالخرافات النّابعة من جهل ومن أمّيّة، فهو يصل إلى القول الّذي لا بدّ منه: "وإذا كانت هذه الأحوالُ معلومةً بعد الاستقراء والاعتبار، وعلمنا أنّ الشّمس طالعةٌ ظاهرةٌ في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلامًا على خلاف اليقين، وكلامُ اللّه تعالى مُبرّأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلا أن يُصار إلى التأويل الذي ذكرناه".

فهل نذهب نحن أيضًا، مثلما فعل من قبلنا، صاحب مفاتيح الغيب إلى العمل بالعقل بدل النقل؟
 
ففي نهاية المطاف، العقلُ وليّ التّوفيق.
***

نشرت أيضًا: شفاف الشرق الأوسط

الأحد، 11 ديسمبر 2022

غيوم بلقانيّة

من الأرشيف - نص لم يُنشر من قبل:

سلمان مصالحة ||

غيوم بلقانيّة


"متى ستُقنعين ماريانا باعتناق الإسلام؟"
هكذا، وبلا مقدّمات معهودة تُخفّف من وقع الكلام، أطلق الوالدُ على مسامع ابنته ذلك السّؤال الّذي لا يحتمل تأويلات على أكثر من وجه. لا شكّ أنّ وجه ماريانا البشوش هو ما دفع الوالد إلى طرح هذا السؤال، الطّلب، على ابنته حاثًّا ايّاها على أن تتحدّث في الموضوع مع صديقتها الجديدة.

الأربعاء، 22 يونيو 2022

أحمد بيضون || ”دكتور أخمد أنا أيضًا شيوعي“

 مختارات -


أحمد بيضون

توجّهنا إلى بيتِ أختي زينب في البلدةِ لأنّ بيت أهلي كان مهدومًا جزئيًا من جرّاءِ القصفِ في 1977- 1978 ثمً من جرّاءِ النسفِ الذي أودى بمبنَيينِ كبيرينِ مجاورَينِ لهُ في أيّامِ الاحتلالِ الأولى. وكانَ ما تبقَى من الطابقِ السُفْلِيِّ فيه محتاجًا إلى إصلاحٍ ليعودَ صالحًا للسّكَن.

الثلاثاء، 24 مايو 2022

بيار عقل || مظفّر النوّاب والجوازات العربيّة

مختارات
 
 

 
لأن مظفّر كان صديقي، فقد وجدت أن من الضروري تصحيح رواية “فرار مظفّر من السجن” التي يتم تداولها الآن على صفحات التواصل الإجتماعي.

الثلاثاء، 11 يناير 2022

منصور عباس يقف على أكتاف عمالقة

 

 "علينا ألا نتنازل وألا نراوغ وأن نطالب بمساواة مدنية تامّة. وأن نكون، كعرب، جزءًا لا يتجزأ من الديمقراطية الإسرائيلية..."

الأحد، 14 فبراير 2021

شاهد عيان على هجوم الطليان

بيروت، ربيع 1912-


قصف عون الله 1912

سلمان مصالحة ||

شاهد عيان على هجوم الطليان


قبل نصف عام هزّ انفجار ضخم ميناء بيروت فاهتزّت منه المدينة بأَسْرِها وبكُلّ أُسَرِها، إذ لقي الآلاف مصيرًا من الموت والجراح، كما ضرب الهدم العمارات على امتداد مساحات واسعة. 

ولمّا كنت اعتدت منذ زمن على ترك أخبار هذا الأوان لدى سماعي خبرًا ما يهزّني في هذا العالم الواسع، وعلى وجه التحديد في هذا العالم العربي القابع في دهاليز لا يستطيع فيها رؤية بصيص من أمل، فقد ذهبت باحثًا عن أحداث من الماضي تعيدني إلى تلك الأماكن في أزمان غابرة. 

وبينما أنا غارق في أوهام وآلام الحاضر، رحت أحث النّفس على ركوب دفاتر الماضي بلغات الآخرين الذين كتبوا عن أحوال هذا الشرق. وهكذا سرعان ما وجدت نفسي قبل أكثر من قرن من الزمان، وفي فبراير من ربيع العام 1912 شاهدًا على انفجارات أخرى في ميناء بيروت، حين قصفت السفن الطليانية ميناءها وشاطئها. 

وهذه المرّة، أقرأ تفاصيل أخبار ذلك الزمان بصحيفة عبرية صادرة في تلك الأيام. ولكي تعمّ المنفعة على قرّاء لغة الضاد، فها أنذا أرويها عليكم مجدّدًا لما تحويه من أجواء تلك الأيام، وما تحويه من معلومات قد تكون مفيدة لمن ينوي الغوص في ملابسات تلك المرحلة.

لقد وردت هذه الأخبار في صحيفة ”هحيروت“ العبرية الصادرة في الأول من مارس سنة 1912. 
 

***
الخبر التي نشرناه في عددنا السابق بشأن الأحداث الأخيرة في بيروت أثار مشاعر المقدسيين لأنّ لدى الكثيرين منهم عائلات، أبناء وإخوان، أصدقاء ومعارف في بيروت، ولهذا كان القلق كبيرًا. كما نُشرت إشاعات مبالغ بها بخصوص محاولات هجوم جديدة من طرف العدوّ على سكان المدينة، وكذلك بخصوص محاولات قصف عكّا وحيفا وصيدا، وذكرت الإشاعات أنّ الجنود الطليان نزلوا إلى بيروت ، كما وصلت خمس سفن فرنسية من مرسيليا إلى بيروت، ووصلت إلى ميناء سعيد [بور سعيد] عشر سفن مدرّعة إنكليزية وهي تنتظر الأوامر من القيادة العليا... بالطبع لا نستطيع تصديق كلّ هذه الإشاعات قبل الحصول على تفاصيل رسمية من كلّ هذه الأماكن.

في هذه الأثناء، وصلتنا بالبريد الأخير أخبار لافتة من مراسلنا الخاصّ في بيروت، السيد يروشلمي [المقدسي]...


الرسالة الأولى من مراسلنا البيروتي:

(1)
”منذ يومين وصلت إلى لبنان، اليوم بعد الظهر خرجت للتنزّه مع بعض أصدقائي في السفوح الثلجية لجبال لبنان الجميلة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة التي تكسو جبل لبنان.
فجأة، شاهدنا مجموعات من الناس تسرع في الطريق الصاعدة من بيروت إلى الجبل. ماذا جرى؟ ماذا حدث؟ لم نعرف شيئًا وفقط سمعنا الصراخ هنا وهناك والضجيج يملأ الأجواء. غذذنا الخطو وأسرعنا نحو الناس المذهولين.
”شو هادا“؟ سألت أحد العرب الذي وقف بجانب بيت-قهوة نصراني.
”حرب!، الطليان في بيروت“، أجاب.
ذُهلت، واضطرب جسدي وتصبّبت قطرات عرق باردة على جبيني. لم أصدّق ما سمعته أذناي، وفي خضمّ هذا الانفعال الذي يصعب وصفه أسرعت إلى الفندق بدل الوقوف بانتظار الهاربين من بيروت، أخذت مسدّسي وخرجت. حثثت أصدقائى للذهاب إلى الشرطة اللبنانية لمعرفة حقائق الأخبار. جئنا إلى الشرطة، وكان الشرطيّون هناك مذهولين ويتهامسون بنبرات غاضبة. تقدّمت إلى أحدهم وسألته بلطف، ماذا جرى في بيروت. نظر إليّ مُحدّقًا وقال: ”لا تخف! أسرع واجلس في بيتك لئلّا يهجم عليك الهاربون في ساعة غضبهم وانفعالهم...“. اضطررت لسماع نصيحة الشرطي وذهبت إلى الفندق بفرائص مرتعدة.  مرّت ساعتان بدتا بنظري طويلتين كما الأبد. كانت روحي مستعرة وفؤادي مضطربًا. كانت لدي رغبة بالتواجد في بيروت لأرى ما يحدث هناك بأمّ عيني... فجأة سمعت طلقات نارية... شحب وجهي وارتعد جسدي. هممت بالخروج غير أنّ أصدقائي منعوني من ذلك. وقفنا في الشرفة وشاهدنا مركبات وعربات كثيرة مليئة بالرجال والنساء والأطفال والعفش والأواني البيتية. لقد كانت وجوههم كوجوه الموتى، لقد انتحبت النساء، وشاهدتُ امرأة نصرانية يُغمى عليها في أحضان ابنتيها... أحد المسلمين، بيروتي، مرّ وكان جريحًا... بين هؤلاء اللاجئين كان يهود كثيرون، أغلبهم بيروتيون وحلبيّون. أحدهم، من معارفي، شاهدني من بعيد فصاح...
”اصعد، اصعد إلى غرفتي!“ قلت له، وأسرعت هابطًا لاستقباله. لقد كان وجهه شاحبًا كالكلس وارتعدت فرائصه خوفًا. صافحته فكانت يداه باردتين، صعدنا وبصوت مرتعد أخبرنا ما جرى في بيروت هذا الصباح.
وهذا ما رواه على مسامعنا الصديق الذي كان شاهد عيان على فظاعة الحدث في بيروت:
”... يوم السبت صباحًا كان كلّ شيء هادئًا في بيروت. في الشاطئ كانت هناك سفن تجارية وبعض السفن الأخرى التي أخبرت عن قدوم سفينتين حربيّتين من بعيد. أسرع كثير من الناس إلى الرصيف وفجأة سُمع صوت رعد هائل وانفجار أذهل المارّة االذين كانو في طريقهم لفتح أبواب حوانيتهم. لقد تعاظم الانفعال إثر الإشاعة بأنّ الطليان أطلقوا القذائف على بيروت، غير أنّ الطلقة الأولى كانت على التورپيد التركي «أنقرة» وعلى السفينة العثمانية «عون الله»، لقد دُمّر التورپيد وغرق فورًا، بينما السفينة كادت تتحطّم. في الساعة السابعة صباحًا كان الميناء فارغًا. كلّ السفن التجارية التي كانت راسية هناك هربت من العدوّ وأبحرت بطرق شتّى. في الساعة الثامنة أُغلقت كلّ الحوانيت وأسرع كثيرون إلى الرصيف، لمشاهدة السفن الحربية الطليانية التي حضرت مرّة أخرى ورست مقابل المدينة. لقد قام الوالي ورئيس المأمورين بإصدار الأوامر لإدارة الميناء لإيجاد حلول مع الأميرال الطلياني، فطلب هذا الأخير أن تُسلّم له الأسلحة. لقد رفض الوالي بالطبع هذا الطلب، إذ إنّه يتناقض مع القوانين. مع استلام الأميرال هذه الإجابة أمر بالقصف. فأطلق النيران على السفينة التركية وأُغرقت على من فيها من قوّادها وملّاحيها، كما أُطلقت النيران على مبنى الميناء الجديد، على البنك السالونيكي وعلى البنك العثماني. لقد قُتل وجرح الكثيرون. لقد عمّت الفوضى وتراكض الآلاف من الناس في الشوارع لا يعرفون إلى أين يهربون، وهم يسمعون أزيز الرصاص المتطاير فوق رؤوسهم ويصمّ الآذان. الصراخ والعويل ملأ الأجواء وكلّ يبحث عن إنقاذ نفسه وأبناء عائلته. لقد كانت المخازن مغلفة الأسواق مهجورة، وفقط في بعض الأماكن كان هناك بعض العرب البسطاء وبعض الشبّان الذين حملوا البنادق، المارتينات والسيوف؛ إذ إنّ الحكومة استجابت لطلب الشعب ووزّعت البنادق. بالإضافة إلى الحكومة فإنّ اثنين من العرب، هما عبودي وبيضون، والمعروفين في المدينة كلصّين كبيرين قد فرّقا البنادق على رجالهما، كما قاما بتحطيم أبواب الحوانيت التي تبيع البنادق وأخذوا منها البنادق. لقد أرسلت الحكومة فرقًا من الجنود إلى الشاطئ ليكونوا على أهبة الاستعداد عندما ينزل الطليان. كلّ بيت يمكث فيه أناس من الرعايا الأجانب علّق على البيت علمه القومي لكي لا يُصاب بيته بأذى. لقد هرب المئات راجلين وعلى عربات إلى جبال الدروز، وإلى سائر لبنان في عرض البحر، إذ إنّ العربات الكهربائية توقّفت عن المسير، كما إنّ العربات قلّت وكان من الصعب العثور عليها. الكثير من اليهود هربوا وجاووا إلى هنا، بينهم أحد معارفي الذي روى لي تفاصيل هذه الأحداث.
إنّه لمن الصعب وصف المخاوف التي دبّت في قلوبنا لسماعنا التفاصيل على فظاعتها. لقد اقترحت على أصدقائي أن نسافر إلى بيروت ... ”ماذا؟ هل جُننت؟“ أجابوني، ”لن نسمح لك أبدًا بالسفر إلى بيروت!...“. أمّا أنا فقد أصررت على الذهاب إلى هناك لرؤية ما جرى بأمّ عيني، ولمعرفة ما جرى لأصدقائي، غير أنّ أصدقائي حثّوني على البقاء حتّى الصباح، وهكذا بقيت حتّى اليوم التالي.
لقد قضينا الليلة والخوف يخيّم علينا، وأنا استغللت فرصة بقائى في المدينة لكتابة هذه التفاصيل لقراء ”هاحيروت“.
***
(2)
... ها أنا في بيروت. دقّات قلبي تتسارع. فرائصي ترتعد وعيناي تسرحان لمشاهد المدينة المهجورة. في البداية خفت من الذهاب، غير أنّ قوّة مجهولة دفعتني للتجوال في الشوارع. توجّهت إلى محطة الشرطة الأولى التي صدفتها في الشارع، عند المستشفى البلدي. لقد فرحت بوجود شرطي هناك، من زملائي، فسألته فورًا عن الشهداء الذين سقطوا إبّان الهجوم. لقد سلمّني قائمة الأسماء لكلّ القتلى والجرحى. لقد كانت غالبيتهم من المسلمين. المسيحيون واليهود كانوا قلّة. وها هي بعض أسماء القتلى: عمر شمالي، عبد الرحيم شعبان، الحاج سعيد مصطفى باشا، محمد أبو سليم الحملي، سليم يوسف صباغ، رؤبين بن سلومون (يهودي)، محمد شاني (شرطي)، جميل دريان (كوميسار)، يوسف واكد، إلياس أبو الماع، وغيرهم كثيرون. ستّة عشر من القتلى المجهولين أُحضروا إلى المستشفى العسكري. في البحر قُتل عشرون ملّاحًا وموظّفًا، عشرون آخرون اختفوا وعلى ما يبدو فقد غرفوا في البحر. ثمانية موظّفين قُتلوا وأربعة عشر ملّاحًا جُرحوا. من سكّان المدينة جُرح كثيرون وها هي بعض أسمائهم: خالد بن غفور آغا، نجيب متري بربور، يشعيا بن يوسف (يهودي)، رفيق بك وابنه (صيدليان)، جواد بك (طالب في كلية الطبّ)، إبراهيم أفندي (ملازم)، الحاج يوسف الحلبي، فهمي أفندي (كاتب محكمة الاستئناف)، وغيرهم كثيرون.

لقد روى لي الشرطي أيضًا أنّ الحكومة قد اتّخذت جميع الاحتياطات بغية الحفاظ على أمن الشعب، وقد قام الوالي بإرسال برقية إلى وزير الداخلية ووزير الحربية للوزارة العليّة والباب العالي وينتظر الجواب.
لقد عمّت الفوضى في المدينة أمس. عندما ذهبت السفن الطليانية بدأ المئات من أفراد االشرطة بالسير في الشوارع والأسواق للحفاظ على النظام. لقد دبّ الخوف في قلوب المواطنين من الشبّان الغوغائيين الذين حملوا المسدّسات واستخدمونها لمآربهم الدنيئة عندما شاعت الفوضى. الضحية الأولى التي سقطت كان يهوديًّا، الأدون شتاينهارد، كان واقفًا في الصباح عند باب المتجر الكبير «أوروزدي باك» حين مرّ أحد الأتراك مشهرًا مسدّسه ودون أن يشعر به السيد شتاينهارد أطلق الحقير النار عليه فسقط اليهودي المسكين مضرّجًا بالدماء. إنّه يرقد الآن في المستشفى والأطبّاء فقدوا الأمل من إنقاذه. لم يكتف الحقيرون بذلك، وحين لقوا صهر السيد شتاينهارد أطلقوا النار عليه أيضًا، لكن لحسن حظّه أُصيب بيده بجرح بسيط. أيضًا على أحد اليهود السفراديم أطلقوا النار بالخطأ، إذ كانوا يصوّبون نحو أحد العرب والذي قُتل بعد أن سقط اليهودي أرضًا. لقد أثارت هذه الأحداث مشاعر اليهود.
لدى هبوطي الآن إلى الشاطئ اقتربت من السفينة المحطّمة الغارقة في البحر. جزء من البناية الجميلة للبنك العثماني القريب من مكان رسو السفينة المحطّمة قد انهار، وتحطّم الزجاج والأبواب. مبنى بيت الجمرك الجديد الذي بني منذ سنة تحطّم كلّه تقريبًا. كما تضرّر جدًّا مبنى «بنك دي سالونيك» الذي يقع مقابل الشاطئ. فقد اخترقت قذيفة أحد الحيطان ولو أنّها اخترقت الحائط الثاني لتهدّم البيت كليًّا.
الخوف يخيّم على المدينة. ثمّة خوف من حصول تمرّد في المدينة أو حدوث مناوشات بين المسلمين والنصارى، إذ إنّ الكراهية بين الطرفين شديدة. النصارى يخشون من المسلمين لأنّ هؤلاء غاضبين جدًّا ويرغبون في ضرب كلّ من يضع قبّعة على رأسه. وهكذا جرى مع أخينا السيد بارزل إذ تقدّم نحوه هؤلاء الشبّان الغوغائيين ظانّين أنّه طلياني، وبعد أن وعدهم بالمضيّ معهم حيثما يريدون تركوه وأطلقوا سراحه. وهكذا، فإنّ غالبية الذين كانوا يعتمرون القبّعات يلبسون الآن الطرابيش. في الحيّ الرئيسي الذي يسكنه نصارى كثيرون يخافون جدًّا من المسلمين، ممّا حدا بمدير الجامعة الأميريكية بالسماح للنصارى  بالدخول وبالاختباء في الجامعة حتّى تمرّ هذه الغمامة.
لقد أثرت الأحداث بالطبع على الحركة التجارية فكانت غالبية المخازن مغلقة في اليومين الأخيرين.
***
(3)
أخينا المسكين، السيد شتاينهارد، الذي هاجمه الغوغائيون، توفي صباح اليوم في المستشفى.
من دمشق وصل جنود وفرسان. أمس وطوال الليل مرّ الـ«طرامواي» في كلّ المدينة مليئًا بالعساكر ورجال الشرطة، وهكذا حافظوا على النظام فلم يحدث شيء. كلّ المؤسسات الأجنبية كانت محاطة برجال العسكر لحراستها.
أمس وصلت برقية من وزير الحربية في القسطنطينية بإعلان حالة الحرب في بيروت. لقد فرح السكّان بهذا الأمر الذي يُهدّئ القلوب ويعزّز الحراسة جدًّا، فلن يستطيع الزعران مواصلة أفعالهم الدنيئة في الشوارع. في جميع الأسواق يتواجد الآن أفراد الشرطة بالعشرات، ووحدات من الجندرمة والپوليس تجوب الشوارع إضافة إلى الشرطيين الثابتين في مواقعهم.
لقد بعث الوالي إلى الصحافة المحلية بيانًا رسميًّا بخصوص إعلان حالة الحرب في المدينة. وفقًا لهذا البيان يُحظر حمل السلاح دون إذن من الحكومة، يُحظر الخروج في الليل بعد الساعة الثامنة مساءً، يُحظر حمل بنادق الصيد بدون إذن خاصّ، كلّ من بحوزته سلاح عليه تسليمه للحكومة؛ كلّ من يخالف هذه الأوامر سيلقى أشدّ العقاب.
حتّى هذه اللحظة نحن متأكّدون بعض الشيء من أنّ السفن الطليانية لن تعود ثانية، إذ ساعة قصف الطليان ظهيرة يوم السبت للسفينة التركية، وصلت سفينة خديويّة، وأعلمتها السفينة الطليانية أنّها تاركة المدينة وأنّ بإمكان السفينة الخديويّة أن تدخل دون خطر إلى الشاطئ. بعض الأشخاص الذين كانوا ينظرون إلى البحر بالنواظير يقولون إنّهم شاهدوا سفنًا حربية أخرى كثيرة. لقد رافقت السفينتين الحربيّتين اللتين قصفتا المدينة سفينة أخرى حملت الطعام للجنود. غير أنّ هذه لم تقترب ووقفت بعيدًا من المدينة.
هذا، إذن، مافعله الطليان بمدينتنا. باستثناء الملّاحين الذين كانوا في السفينة وأشخاص آخرين قتلوا بينما كانوا على الشاطئ لم يُقتل سوى مائة وخمسين. من اليهود قتل اثنان فقط وهما اللذين ذكرتهما في رسالتي. وبالطبع على المقدسيّين ألْا يقلقوا على أقربائهم. الطلّاب اليهود الذين يدرسون هنا كانوا واثقين من أنّ مدير الجامعة الأميركية سيتيح لهم المبيت في الجامعة.
***
(4)
أمس كان كلّ شيء هادئًا. غير أنّ حوانيت كثيرة كانت مغلقة، وتلك التي كانت مفتوحة أُغلقت في الساعة الرابعة بعد الظهر. لم تصدر الصحف يوم أمس لأنّ العمّال لم يحضروا للعمل لأنّ غالبيّتهم ذهبوا إلى جبل لبنان.  اليوم بعد الظهر صدر الصحيفة العربية المحلية ”لسان الحال“.
أمس حضر الوالي والقنصل الروسي إلى متجر ”أوروزدي بك“ وحقّقوا في مقتل اليهودي الأدون شتاينهارد الذي كان يحمل جنسية روسية.
يُقال إنّ القنصل الروسي أبرق إلى بطرسبورغ كي ترسل الحكومة الروسية سفنًا حربية بسبب مقتل المواطن الروسي وبسبب الإشاعة التي انتشرت في المدينة بأنّ الأتراك يريدون قتل نائب القنصل الروسي.
الآن، الساعة الثانية بعد الظهر، وصلت سفينة حربية فرنسية واسمها مارسيليير Marseilleuse.  
حتّى يوم أمس قاموا في الأسواق بإعلام الناس بألّا يخافوا من سماع إطلاق الرصاص لأنّ سفنًا حربيّة أجنبية من المتوقّع أن تصل إلى مدينتنا.
الوضع الآن هادئ، غير أنّ القلوب لا زالت مضطربة. غالبية أصحاب الحوانيت يغلقون حوانيتهم مبكّرًا والنساء والصبايا لا يخرجن من بيوتهن من الخوف.  الحراسة في المدينة ممتازة.
إذا حدث شيء جديد، سأسارع إلى إخبار قراء ”هحيروت“.

جريدة ”هحيروت“ 1.3.1912

***


الجمعة، 5 فبراير 2021

حفاوة عربية بالزعيم الصهيوني

كذا كان قبل قرن من الزمان - 


الكولونيل كيش في الوسط وشيوخ العرب

سلمان مصالحة ||

حفاوة عربية بالزعيم الصهيوني


بين فينة وأخرى أحبّ العودة إلى الصحف والمجلات العربية القديمة، إذ إنّي كثيرًا ما أعثر فيها على روايات وأخبار تُضيء أمورًا مُظلّلة في هذا الأوان. إنّها بمثابة مصباح فَتّاشٍ من الماضي يكشف لنا ما لم يفلح بصرنا في الوقوف عليه في هذه الأيام.

الأحد، 23 أغسطس 2020

تطبيع العرب في إسرائيل



لقد آن الأوان لأن يقف العرب في البلاد على رجليهم الاثنتين في بلدهم هنا، لا أن يضعوا رجلًا هنا ورجلًا هناك، كمن هو عالق في أرض حرام بلا أفق.

الجمعة، 14 أغسطس 2020

لبنان، الفرصة الأخيرة

 
إنّ الكارثة الأخيرة التي ضربت لبنان هي فرصة ذهبية تسنح الآن أمام الجيل اللبناني الجديد، لإعادة الأمل ليس فقط إلى سكّان هذه الدولة، وإنّما للفضاء العربي بأسره.

الجمعة، 7 أغسطس 2020

كالمستجير من الجائحة بالنائحة


 علينا الاعتراف أمام أنفسنا أنّ كلّ هذه العصبيّات التي ترضع من الدين، والطائفة والقبيلة، هي الدود الذي أفسد على العرب لذّة الوجود.

الأحد، 2 فبراير 2020

ملاحظات حول صفقة القرن الدنسة


أليست خطّة ترامپ تسير على خطى اتّفاقات أوسلو وما أعقبها من تفاهمات بين الزعامات الفلسطينية الغَبِيّة والزعامات الإسرائيلية الأَبِيّة؟

الاثنين، 27 يناير 2020

طبخة القرن الشائطة


ها هي فرصة قد سنحت الآن لتحقيق هذا التهديد. إنّها الورقة الأخيرة التي ستتبقّى في أيدي قيادة فلسطينية حقّة وجديرة

الاثنين، 6 يناير 2020

إخراج المجتمعات العربية من الظلمات إلى النور

هل المرأة العربية عورة؟



سلمان مصالحة ||

إخراج المجتمعات العربية من الظلمات إلى النور


لفهم عمق وضع التخلُّف العربي لا حاجة إلى الذهاب بعيدًا إلى أنحاء العالم العربي؛ يكفي أن ننظر هنا في الداخل إلى حارتنا نحن، إذ إنّها ميكروكوسموس، أي هي عالم مصغّر عن ذلك العالم العربي المترامي الأطراف. إنّ أحد العوامل الأساسية للتخلّف المزمن في العالم العربي هو ذلك التهميش المزمن للمرأة  وعزلهاعن فضاء اتّخاذ القرارات، التي تُحدّد مصير المجتمع بكلّ مجالات الحياة. إنّه تهميش صارخ وواضح للعيان.

القيادات العربية كانت دائمًا محصورة بالرجال. إذ لم نشاهد على مرّ العصور أبدًا ملكة عربية، رئيسة دولة عربية، أو رئيسة عربية لحكومة ما، ولا حتّى رئيسة بلدية. إنّ المجتمع المعافى يقف ويخطو قُدمًا برجليه الاثنتين، الرِّجل الأنثوية والرِّجل الذكورية. إنّ الرِّجل الأنثوية للمجتمعات العربية هي رجل مشلولة منذ قديم الزمان، ولذلك فما من عجب في أنّ المجتمعات العربية هو مجتمعات عرجاء، ودائمًا ستكون في عوز إلى عكاكيز خارجية.

هاكم مثالًا على الفشل الاجتماعي العربي. في الأسبوع الماضي نظّم رؤساء عشائر وحمائل في جبل الخليل مهرجانًا طارئًا، وذلك احتجاجًا على مصادقة السلطة الفسطينية على الميثاق العالمي “سيداو” (CEDAW) الذي يدعو إلى القضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة. لقد دعا المؤتمرون، وكلّهم من الرجال طبعًا، السلطة الفلسطينية إلى التراجع عن مصادقتها على الميثاق. ولقد دعوا في البيان الذي نشروه عقب المهرجان إلى حظر نشاطات كلّ المنظمات النسائية - “المشبوهة” على حدّ تعبيرهم - وإلى منع دخول هذه المنظمات والجمعيات إلى المدارس وإلى حظر إيجار المكاتب لهذه المنظمات. بالإضافة إلى ذلك فقد حذّر هؤلاء في البيان قضاة المحاكم من استصدار أحكام على ضوء هذا الميثاق. لقد استثار الميثاق غضب هؤلاء لتحديد سنّ الزواج بالثامنة عشرة، وذلك بدعوى أنّ هذا يتناقض مع الأعراف والقوانين الإسلامية.

إنّ هذه الأعراف والقوانين الإسلامية قد ضربت في الآونة الأخيرة الأولاد في غزّة. مواطنو غزّة الذين يرزحون من جهة تحت طائلة الحصار الإسرائيلي-المصري، ومن سلطة الإسلامويين من الجهة الأخرى، قد شهدوا حظرًا على تنظيم عرض احتفالي موسيقي لطلبة معهد إدوارد سعيد الموسيقي. لقد جاء الحظر إثر فتوى نشرها أحد مشايخ الإسلامويين ضدّ العرض وذلك لكون العرض الموسيقي مختلطًا يظهر فيه الأولاد والبنات معًا على المنصّة.

لقد وصلت هذه الروح السيّئة في المجتمع الفلسطيني إلى الجامعات، وليس في غزة الواقعة تحت سلطة الإسلامويين فقط، وإنّما في نابلس وفي جامعة النجاح الواقعة تحت السلطة الفلسطينية. فداخل الحرم الجامعي تمّ وقف عرض مسرحي يتطرّق إلى وضع النساء في العالم العربي - على يد بروفسور وعميد كلية الفنون. لقد اعتلى العميد المنصة قائلا إنّ العرض لا يتمشّى مع ثقافة وقيم المجتمع. إنّ الذي أثار غضبه هو أنّ الممثلة عشتار معلم، خلعت خلال العرض بعد الثياب.

هكذا يحدث في غزة، في الخليل وفي نابلس، وهكذا يحدث أيضًا في البلدات العربية داخل إسرائيل. الإسلامويون من مواطني إسرائيل يستشيطون غضبًا بين فينة وأخرى ويحتجّون، بل ويوقفون عروضًا فنية مختلطة ويندّدون بمنظمات نسائية تناضل لأجل حقوق المرأة، ويصفون النساء ومنظّماتهنّ بأقذع الأوصاف ويتّهمون القائمات والقائمين على تلك الفعاليات بالتعاون مع منظمات أجنبية بغية تكريس أجندات غريبة في المجتمعات العربية.

إذا كانت المجتمعات العربية هنا وفي كلّ العالم العربي ترغب حقًّا بالخروج من التخلّف الذي وجدت نفسها فيه طوال قرون طويلة، فيتوجّب على المثقّفين العرب أن يرفعوا بشجاعة شعار ومشعل المساواة الجندرية. إن لم يفعلوا ذلك فإنّهم يخونون الرسالة التي يفترض أنّهم يحملونها. على جميع هؤلاء أن يعلنوها صراحة وعلى مسمع من الإسلامويين والذكوريين العرب على أصنافهم، بأنّ مبدأ المساواة الجندرية ليس أجندة غريبة أو أجنبيّة. بل على العكس من ذلك، إنّ المساواة الجندرية هي المبدأ الوحيد الذي بوسعه أن يخرج المجتمعات العربية من الظلمات إلى النور.

*

نشر أيضًا: شفاف الشرق الأوسط


For English, press here
For Hebrew, press here

الخميس، 27 ديسمبر 2018

القصر السرّي في كفر جوز

أرشيف: بيروت،  ديسمبر 1938 -  

 

نزاعات الفلسطينيين الهاربين من فلسطين في الثلاثينات تحتدم في بيروت.

جادة الفرنسيين، بيروت - ثلاثينات القرن العشرين
خدمة للقارئ العربي نواصل تقديم هذه الشهادات الصحافية العبرية التي تكشف الكثير من أجواء الأحداث التي عصفت بالبلاد في سنوات الثلاثينات من القرن المنصرم.
سلمان مصالحة

نصوص
  • شفا القلق

    خُذْ مِنْ بَقَايا الرُّوحِ مُرْتَمَقًا،
    وَانْثُرْ بَقايَاكَ عَلَى الوَرَقِ

    لَمْ يَبْقَ مِنْ شَـيْءٍ تُسَـائِلُـهُ
    إلاّ سَبَايَا الهَمِّ فَانْطَـلِـقِ

    وَارْسِمْ حُرُوفًا لَيْسَ يُدْرِكُـها
    قَوْمٌ تَوَارَوْا عَنْ خُطَى الأَرَقِ



محتويات الموقع

 
مختارات
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره.


  • كشف أسرار الرهبان

    "اعلم أنّ بعض هذه الطائفة أعظم الأمم كذبًا ونفاقًا ودهاء، وذلك أنّهم يلعبون بعقول النصارى ويستبيحون النساء وينزلون عليهم الباروك، ولا يعلم أحد أحوالهم...
  • مواطنة شرف

    عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا،  أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...
    تتمة الكلام
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة...
    تتمة الكلام...

قراءات
  • يهوه التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح ...


  • سبحان الذي أسرى

    نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...
    تتمة الكلام...

زوريخ، 17 فبراير 2026